ابن حجر العسقلاني
55
فتح الباري
يحمله أهل العلم بالحديث ويؤيده أن عطاء إمام واسع الرواية معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير وروى البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة قال البزار إسناده حسن فوضح بذلك أن المراد بالاستثناء تفضيل المسجد الحرام وهو يرد على تأويل عبد الله بن نافع وغيره وروى ابن عبد البر من طريق يحيى بن يحيى الليثي أنه سأل عبد الله بن نافع عن تأويل هذا الحديث فقال معناه فإن الصلاة في مسجدي أفضل من الصلاة فيه بدون ألف صلاة قال ابن عبد البر لفظ دون يشمل الواحد فيلزم أن تكون الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بتسعمائة وتسع وتسعين صلاة وحسبك بقول يؤل إلى هذا ضعفا قال وزعم بعض أصحابنا أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بمائة صلاة واحتج برواية سليمان بن عتيق عن ابن الزبير عن عمر قال صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه وتعقب بان المحفوظ بهذا الإسناد بلفظ صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه الا مسجد الرسول فإنما فضله عليه بمائة صلاة وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني سليمان بن عتيق وعطاء عن ابن الزبير إنهما سمعاه يقول صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه ويشير إلى مسجد المدينة وللنسائي من رواية موسى الجهني عن نافع عن ابن عمر ما يؤيد هذا ولفظه كلفظ أبي هريرة وفي آخره الا المسجد الحرام فإنه أفضل منه بمائة صلاة واستدل بهذا الحديث على تفضيل مكة على المدينة لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة وهو قول الجمهور وحكى عن مالك وبه قال ابن وهب ومطرف وابن حبيب من أصحابه لكن المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة مع قوله موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها قال ابن عبد البر هذا استدلال بالخبر في غير ما ورد فيه ولا يقاوم النص الوارد في فضل مكة ثم ساق حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على الحزورة فقال والله انك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا إني أخرجت منك ما خرجت وهو حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم قال ابن عبد البر هذا نص في محل الخلاف فلا ينبغي العدول عنه والله أعلم وقد رجع عن هذا القول كثير من المصنفين من المالكية لكن استثنى عياض البقعة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم فحكى الاتفاق على أنها أفضل البقاع وتعقب بأن هذا لا يتعلق بالبحث المذكور لأنه محله ما يترتب عليه الفضل للعابد وأجاب القرافي بان سبب التفضيل لا ينحصر في كثرة الثواب على العمل بل قد يكون لغيرها كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود وقال النووي في شرح المهذب لم أر لأصحابنا نقلا في ذلك وقال ابن عبد البر إنما يحتج بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أنكر فضلها أما من أقر به وأنه ليس أفضل بعد مكة منها فقد أنزلها منزلتها وقال غيره سبب تفضيل البقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة أنه روى أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق رواه ابن عبد البر في أواخر تمهيده من طريق عطاء الخراساني موقوفا وعلى هذا فقد روى الزبير بن بكار أن